بيان بخصوص تصريحات بابا الفاتيكان
الشيخ محمد صالح المنجد
بسم الله الرحمن الرحيم
" أعرب بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر اليوم عن أسفه لأن تصريحاته حول الإسلام أسيء فهمها "
هكذا طالعتنا الأخبار ( بالأمس ) وعودةً إلى تصريح البابا الذي نقل فيه عن الإمبراطور البيزنطي بالنص " أرني شيئاً جديداً جاء به محمد وستجد أشياء شريرة فقط وغير إنسانية "
ما هو الخطأ في الفهم الذي من الممكن أن يحدث تجاه هذه العبارة ؟ ، إنها عبارة واضحة وصريحة جداً وبدلاً من الاعتذار عن الإساءة والشتيمة المنقولة التي اختارها البابا ونقلها واعتمدها ولم يتعقبها ولم يعترض عليها ولم ينقل ما يخالفها عمد البابا إلى اتهامنا نحن المسلمين بإساءة الفهم
فواعجباً لهذا التصريح الذي لا يزيد الأمور إلا سوءاً .. أين الشجاعة في أن يقول أخطأت وأعتذر وأسحب تصريحي السابق وأتراجع عن النقل الذي اعتمدته .
ثم نرجع لنقاش ذلك النص: ما الذي جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وهل فعلاً لم يأت إلا بأشياء شريرة ؟
نقل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن عن ربه عز وجلّ وفيه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) الأعراف /59
وأعظم حسنة هي التوحيد وإفراد الله بالعبادة وأنه لا نعبد مع الله شجراً ولا حجراً ولا نبياً ولا ملكاً ولا صليباً ولا كوكباً
إن المسلم يعبد إلها واحدا لا شريك له ، له الأسماء الحسنى والصفات العلى فتتوحّد وجهة المسلم وقصده ويثق بربّه وخالقه ويتوكّل عليه ويطلب منه العون والنّصر والتأييد وهو يؤمن بأنّ ربه على كلّ شيء قدير لا يحتاج إلى زوجة ولا ولد خلق السموات والأرض وهو المحيي المميت الخالق الرازق فيطلب العبد منه الرزق السميع المجيب فيدعوه العبد ويرجو الإجابة التواب الغفور الرحيم فيتوب إليه العبد إذا أذنب وقصّر في عبادة ربّه ، العليم الخبير الشهيد الذي يعلم النيات والسرائر وما في الصّدور فيستحيي العبد أن يقترف الذّنب بظلم نفسه أو ظلم الخلق لأنّ ربّه مطّلع عليه وشاهد ، وهو يعلم أنّ ربّه حكيم يعلم الغيب فيثق في اختيار الربّ له وأنّ ربّه لم يظلمه وأنّ كلّ قضاء قضاه له فهو خير وإن غابت الحكمة عن العبد .
وجاءنا عليه الصلاة والسلام بالأمر بكل خير والنهى عن كلّ شرّ وأمر بسائر الآداب ومحاسن الأخلاق مثل الصّدق والحلم والأناة والرّفق والتواضع والحياء والوفاء بالوعد والوقار والرحمة والعدل والشّجاعة والصّبر والألفة والقناعة والعفّة والإحسان والسّماحة والأمانة والشكر على المعروف وكظم الغيظ ، وأمر ببرّ الوالدين وصلة الرّحم وإغاثة الملهوف والإحسان إلى الجار وحفظ مال اليتيم ورعايته ورحمة الصغير واحترام الكبير والرّفق بالخدم والحيوانات وإماطة الأذى عن الطريق والكلمة الطيبة والعفو والصّفح عند المقدرة ونصيحة المسلم لأخيه المسلم وقضاء حوائج المسلمين وإنظار المعسر والإيثار والمواساة والتعزية والتبسّم في وجوه الناس وإغاثة الملهوف وعيادة المريض ونصرة المظلوم والهديّة بين الأصحاب وإكرام الضّيف ومعاشرة الزوجة بالمعروف والإنفاق عليها وعلى الأولاد وإفشاء التحية وهي السّلام والاستئذان قبل الدخول إلى البيوت حتى لا يرى الإنسان عورات أصحاب البيت .
كل ذلك محفوظ في دواوين الإسلام وكتبه التي تجمع أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام , مثل صحيح البخاري ومسلم والترمذي .. وباقي كتب السنة المعروفة .
ثم قال البابا إن العقيدة المسيحية تقوم على المنطق لكن العقيدة الإسلامية تقوم على أساس أن إرادة الله لا تخضع لمحاكمة العقل أو المنطق !!
والجواب عن هذا أن نقول: إن العقيدة الإسلامية جاءت بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وجاءت بشأن المسيح بما يلي :
وبيّنت كيف نعبد الله بهذه الصلوات الخمس على التفصيل الوارد في شروطها وكيفيتها وأوقاتها والصيام لله رب العالمين وحج بيته وأداء حق المال للفقراء والمساكين .
وجاءت العقيدة الإسلامية بوجوب الإيمان بالله رباً وبالرسل جميعاً الذين أرسلهم الله والكتب كلها التي أنزلها الله ( الأصلية وغير المحرفة ) والإيمان بالملائكة وبقدر الله النافذ وأن الله كتب كل شيء وخلق كل شيء
وجاءت عقيدة الإسلام بالعداء لإبليس وجنوده وأتباعه فأي شيء في هذه العقيدة يخالف العقل , وقد جاءت العقيدة الإسلامية في شأن المسيح بما يلي:
(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(171) النساء
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59) آل عمران
قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64) آل عمران
وإذا نظرنا إلى العقيدة النصرانية وجدنا:
أنهم يعتقدون في المسيح عيسى ابن مريم أنه ابن الله , فالآلهة عندهم ثلاثة : الأب (الله) والابن (عيسى) وروح القدس .
ثم يقول هؤلاء الثلاثة واحد , فهل هذا يوافق العقل .. أن تجعل الثلاثة واحداً , والواحد ثلاثة .
ويعتقد النصارى أنه بسبب أكل آدم من الشجرة صار كل من يموت من ذريته يذهب إلى سجن إبليس في الجحيم حتى جاء عيسى ومكّن أعداءه من نفسه حتى يفتدي البشرية , فهل هذا يوافق العقل ؟
يعتقدون أن الله نزل من السماء والتحم ببطن مريم وبقي فيها تسعة أشهر بين البول والدم وتعلوه أطباق المشيمة , ثم خرج طفلاً رضيعاً يحمل على الأيدي ويبكي ويصيح ويرضع إلى أن كبر وصار رجلاً .
فهل هذا يوافق العقل ؟
يعتقدون أن أعداءه تمكنوا منه وقتلوه وأهانوه وصفعوه على قفاه , فهل هذا يوافق العقل ؟ أن المخلوق يتمكن من قتل الإله .
يعتقدون أن المسيح صاح وهو على الصليب : :إلهي إلهي لم تركتني ؟ فهل هذا يوافق العقل؟ أن يكون الإله عاجزاً عن تخليص نفسه من أعدائه , ويستغيث ؟
يعتقدون أنه دفن في قبره ثلاثة أيام قبل أن يقوم ويصعد إلى السماء , فهل هذا موافق للعقل ؟
ومن الذي كان يدير أمر المخلوقات والعالم العلوي والسفلي في هذه الأيام الثلاثة , والإله ميت ومدفون تحت التراب !!
يعظمون الصليب ويتبركون به , فهل هذا موافق للعقل ؟
وكان العقل يقتضي أن يكسروا الصليب حيث رأوه , لأن إلههم صلب عليه , وأهين وقتل .
في أعيادهم يأكلون الخبز ويشربون الخمر ويقولون : أكلنا لحم الإله وشربنا دمه , فهل هذا يوافق العقل ؟
نترك للعقلاء الحكم , والله الهادي إلى سواء السبيل .